حبيب الله الهاشمي الخوئي
41
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
قال نجم الأئمّة : أمّا معنى قولهم : للَّه درّك ، فالدّر في الأصل ما يدرّ أي ينزل من الضّرع من اللبن ومن الغيم من المطر ، وهو ههنا كناية عن فعل الممدوح الصّادر عنه ، وإنّما نسب فعله إليه تعالى قصدا للتّعجب ، لأنّ اللَّه منشيء العجائب ، فكلّ شيء عظيم يريدون التعجّب منه ينسبون إليه تعالى ويضيفونه نحو قولهم : للَّه أبوك وللَّه أنت فمعنى للَّه درّه ما أعجب فعله ، وقد تقدّم مزيد تفصيل فيه في شرح المختار المأة والتّاسع والسبعين المعنى اعلم أنّ الغرض من هذا الكلام التّنفير من الدّنيا والترغيب في الآخرة والأمر بأخذ الزاد ليوم المعاد وبالاستعداد للموت قبل حلول الفوت ، وصدّر الكلام بحرف النّداء والتنبيه ايقاظا للمخاطبين من نوم الغفلة فقال : ( أيّها النّاس إنّما الدّنيا دار مجاز والآخرة دار قرار ) يعني أنّ الأولى دار عبور والأخرى دار استقرار ، والاتيان بكلمة إنّما المفيدة للحصر تأكيدا للغرض المسوق له الكلام ، وتنبيها على أنّ وجود الدّنيا نفس حدوثها وبقاءها عين زوالها ، فلا صلاحيّة لها إلَّا لأن تكون مجازا ومعبرا بمنزلة قنطرة يتجاوز منها إلى المقرّ والمأوى ، فمن نوى البقاء فيها والقرار فقد جهل وضلّ وخبط خبطا عظيما وخسر خسرانا مبينا ، وإذا كان شأنها ذلك : ( فخذوا من ممرّكم لمقرّكم ) أي خذوا في الدّنيا من الخيرات والحسنات والباقيات الصّالحات الَّتي هي زاد الآخرة ، لتنالوا بها حسن الثواب فيها وتحصّلوا النّعمة الدّائمة . ( ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم ) أي لا تجاهروا بالمعصية والعدوان عند من لا يخفى عليه شيء من السّرّ والاعلان ، بل يعلم ما أنتم مقترفون في ليلكم ونهاركم ، لطف به خبرا وأحاط به علما ، أعضاؤكم شهوده ، والحفظة جنوده ، وضمائركم عيونه ، وخلواتكم عيانه كما قال عزّ من قائل * ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِه ِ نَفْسُه ُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْه ِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ . إِذْ يَتَلَقَّى . الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ . ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْه ِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) * .